في زمن تتسارع فيه الخطوات نحو التكنولوجيا ووسائل الترفيه السريعة، يبقى حبّ القراءة شعلة مضيئة لا تنطفئ، ورمزًا للوعي والثقافة والنور. وبين ملايين المشاركين في تحدي القراءة العربي من مختلف الدول، برز اسم تلميذة تونسية استثنائية لتعيد إلى الأذهان معنى الإصرار والإرادة الحقيقية: رحمة بودن، التي استطاعت أن تحقّق إنجازًا باهرًا بفوزها بالمرتبة الأولى وطنيًا ضمن فئة ذوي الهمم.
إنها قصة تلخّص بإيجاز مسيرة جيل من الشباب المؤمن بأن الإعاقة لا يمكن أن تكون حاجزًا أمام الحلم، وأن العزيمة هي مفتاح النجاح مهما كانت الصعوبات.
رحمة بودن لم تصل إلى القمة صدفة، ولم يكن تتويجها مجرّد حظ عابر، بل ثمرة سنوات من الجدّ والاجتهاد والمطالعة العميقة، وسعي متواصل نحو المعرفة والتفوّق، جعل منها نموذجًا مشرفًا يُحتذى به.
قصتها ليست فقط عن فتاة قارئة، بل عن بطلة حقيقية واجهت التحديات بابتسامة وجرأة، وحوّلت الإعاقة إلى مصدر قوة ومنبع إلهام، لترفع اسم تونس عاليًا بين الدول المشاركة في هذا المشروع الثقافي العربي الأضخم.
البدايات… طفلة تحب الكتاب وتؤمن بقوّة الحرف
منذ سنواتها الأولى في المدرسة، أظهرت رحمة بودن حبًا كبيرًا للقراءة، فقد كانت تجد في الكتاب عالمًا رحبًا ومليئًا بالقصص التي تمنحها الأمل والإلهام.
كانت تمضي ساعات طويلة في مطالعة القصص والكتب الموجهة للأطفال، ثم انتقلت تدريجيًا إلى قراءة كتب أعمق تناقش موضوعات الفكر والتاريخ والأدب، لتكوّن لنفسها شخصية مثقفة ومتفهمة للعالم من حولها.
يقول أساتذتها إنها كانت دائمًا مختلفة عن أقرانها، ليس من حيث تحصيلها العلمي فقط، بل من حيث نضجها الفكري وطريقتها في التعبير. كانت تشارك في الأنشطة الثقافية، وتحبّ الحوار والمناقشة، وتؤمن بأن القراءة ليست مجرد هواية، بل أسلوب حياة وطريق نحو بناء الذات.
الإعاقة ليست نهاية الطريق
ولأن الحياة لا تخلو من التحديات، واجهت رحمة بودن منذ صغرها ظروفًا صحية خاصة جعلتها ضمن فئة ذوي الهمم، لكنّها لم تسمح لهذه الظروف أن تُطفئ طموحها.
بل على العكس، جعلت من اختلافها حافزًا إضافيًا نحو النجاح، وأثبتت أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في غياب الإرادة.
بدعم من عائلتها ومدرّسيها، وبتشجيع من محيطها، تابعت دراستها بكل تفانٍ، وكانت دائمًا بين الأوائل في صفها، تجمع بين الذكاء والاجتهاد وحبّ التعلم.
تحدي القراءة العربي… نقطة التحوّل الكبرى
حين أُعلن في مدرستها عن انطلاق تحدي القراءة العربي، كانت رحمة من أول المتحمسين للمشاركة.
لم تكن تنظر إلى المسابقة كاختبار أو منافسة، بل كفرصة لتقيس مدى قدرتها على المثابرة والالتزام. بدأت رحلتها بقراءة عشرات الكتب التي توزعت على مجالات متنوعة: الأدب، الفلسفة، التاريخ، القصص الواقعية، التنمية الذاتية، وحتى كتب الأطفال، حيث كانت تحرص على فهم الأفكار الأساسية واستخلاص القيم والمعاني.
كانت تكتب ملخصاتها بخطّ جميل ومنظم، وتناقش مضمونها بطلاقة وثقة. وعندما وصلت إلى مراحل التصفية الوطنية، كانت مستعدة تمامًا.
قدّمت عرضًا مبهِرًا أمام لجنة التحكيم، تحدثت فيه عن تجربتها مع الكتاب، وكيف غيّرت القراءة نظرتها للحياة. نبرة صوتها المفعمة بالإصرار، وفصاحتها، وعمق تفكيرها جعلوا الحاضرين يقفون احترامًا لها.
اللحظة المنتظرة… تتويج بالذهب ومجدٌ وطني
وفي ختام المسابقة، جاء الإعلان الذي أدخل الفرحة إلى قلوب التونسيين جميعًا: رحمة بودن تتوج بالمرتبة الأولى وطنياً ضمن فئة ذوي الهمم.
كانت تلك لحظة لا تُنسى، لحظة انتصار للجهد والوفاء والشغف.
دموع الفرح غمرت عينيها، ووقف كل من حولها تصفيقًا لهذا الإنجاز العظيم الذي عبّر عن قوة الإرادة الإنسانية حين تتحدى المستحيل.
لم يكن التتويج مجرد شهادة أو جائزة، بل كان تكريمًا لرحلة طويلة من الصبر والتحدي.
لقد مثّلت رحمة تونس أفضل تمثيل، ورفعت علمها عاليًا في حدث عربي يجمع أكثر من 90 ألف مؤسسة تربوية وملايين التلاميذ من مختلف البلدان.
دعم الأسرة والمحيط المدرسي
وراء كل نجاح قصة دعم خفيّ، وقد كانت عائلة رحمة بودن السند الأول لها.
فقد آمنت بقدراتها منذ البداية، وسهرت على مرافقتها في كل مرحلة، ووفرت لها البيئة المناسبة للمطالعة والمراجعة والمشاركة في الأنشطة الثقافية.
كما كان لمعلميها ومدرستها دور كبير في تشجيعها، إذ وفروا لها كل الوسائل الممكنة، واحتفوا بها في كل إنجاز، مؤمنين بأن ذوي الهمم يمتلكون طاقات لا محدودة عندما يُمنحون الثقة.
صوتٌ من تونس إلى كل ذوي الهمم
توجّهت رحمة بودن بعد فوزها بكلمات مؤثرة قالت فيها:
> "الإعاقة لا تمنعنا من أن نحلم، بل تمنحنا سببًا إضافيًا للنجاح. القراءة منحتني القوة لأؤمن بنفسي، ولكي أثبت أن لا شيء مستحيل."
كانت كلماتها أشبه برسالة إنسانية إلى كل ذوي الهمم في تونس والعالم العربي، تدعوهم إلى عدم الاستسلام، وإلى الإيمان بقدراتهم ومواصلة الطريق مهما كانت الصعوبات.
رمز وطني ومصدر فخر
إن إنجاز رحمة بودن تجاوز حدود المدرسة والمسابقة، ليصبح قصة وطنية ملهمة تُروى في الإعلام والمدارس، وتُدرّس كقدوة في المثابرة والتميّز.
لقد أعادت إلى الأذهان الصورة الجميلة لتونس التي تزرع في أبنائها حب العلم والثقافة، وتحتفي بنجاح الجميع دون استثناء.
إنها تمثل جيلًا جديدًا من الشباب التونسي المؤمن بقيمة الكلمة وبقوّة العقل والإصرار، جيل لا يعرف المستحيل.
الخاتمة: حين تكون القراءة طريقًا نحو المجد
قصة رحمة بودن ليست مجرّد فوز في مسابقة، بل هي رحلة ملهمة تروي انتصار الإنسان على كل قيد.
من خلال شغفها بالقراءة وإصرارها على النجاح، قدّمت صورة مشعة عن تونس، وعن فئة ذوي الهمم التي تُثبت يومًا بعد يوم أنها قادرة على الإبداع والتميّز.
إنها دعوة مفتوحة لكل الأطفال والشباب ليتخذوا من الكتاب رفيقًا، ومن المثابرة طريقًا، ومن رحمة بودن قدوةً.
فلنرفع القبعة لهذه التلميذة النجيبة، التي شرفت وطنها، وكتبت اسمها بحروف من ذهب في سجلّ الفخر التونسي والعربي.
رحمة بودن… لم تكن فقط فائزة في تحدي القراءة، بل انتصرت على الصعاب، وكتبت قصة إنسانية عنوانها الإرادة والأمل.
