يُعدّ إقبال الكلبوسي من أبرز مقدّمي الأخبار في تونس، وأحد الوجوه الإعلامية التي ارتبط اسمها بنشرة الأخبار الرئيسية على القناة الوطنية الأولى، وتحديدًا نشرة الثامنة مساءً، التي تُعدّ موعدًا يوميًا ثابتًا لدى شريحة واسعة من التونسيين. فمن خلال حضوره الهادئ وصوته الواثق، استطاع أن يحجز مكانة خاصة في ذاكرة المشاهد، وأن يفرض احترامه في مشهد إعلامي يعرف منافسة وتغيّرًا مستمرين.
حضور ثابت في ذاكرة المشاهد التونسي
لم يكن حضور إقبال الكلبوسي عابرًا أو ظرفيًا، بل تشكّل على امتداد سنوات من العمل المتواصل والانضباط المهني. فقد اعتاد التونسيون على ظهوره المنتظم، وعلى أسلوبه المتزن في تقديم الأخبار، حتى أصبح اسمه مرتبطًا تلقائيًا بنشرة الثامنة، وبالمعلومة الرسمية الدقيقة التي تُقدَّم دون تهويل أو انفعال.
هذا الحضور الثابت خلق نوعًا من العلاقة غير المعلنة بينه وبين الجمهور، علاقة مبنية على الثقة والاعتياد، وهي من أصعب العلاقات التي يمكن للإعلامي أن يبنيها ويحافظ عليها في الوقت نفسه.
المهنية والالتزام بقواعد العمل الصحفي
يتميّز إقبال الكلبوسي بكونه صحفيًا ملتزمًا بقواعد المهنة وأخلاقياتها، حيث يقدّم الأخبار بقدر عالٍ من الدقة والرصانة، مع احترام واضح لمبدأ الموضوعية. فلا يطغى رأيه الشخصي على المعلومة، ولا يسمح لنبرة صوته أو لغة جسده بأن توحي بانحياز أو موقف مسبق.
هذا الالتزام المهني جعله محلّ إجماع نسبي لدى التونسيين، على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية، وهو أمر نادر في المجال الإعلامي، خاصة عندما يتعلّق الأمر بتقديم الأخبار ذات الطابع السياسي أو الاجتماعي الحساس.
أسلوب إعلامي هادئ ومتزن
يُعرف إقبال الكلبوسي بأسلوبه الإعلامي الهادئ، الذي يبتعد عن الإثارة المفرطة أو المبالغة في التعبير. فطريقته في الإلقاء تعتمد على الوضوح، وضبط الإيقاع، والتحكم في النبرة، وهو ما يمنح المشاهد شعورًا بالاطمئنان والثقة.
كما أن لغته العربية السليمة، ونطقه الواضح، وحسن توظيفه للوقفات أثناء القراءة، كلها عناصر ساهمت في بناء صورة إعلامي محترف، يُتقن فن تقديم الأخبار دون افتعال أو تصنّع
صوت أصبح علامة مميّزة
يُجمع الكثيرون على أن صوت إقبال الكلبوسي يُعدّ من أبرز عناصر تميّزه.
فهو صوت رصين، واضح، ومتوازن، قادر على نقل المعلومة بهدوء حتى في أكثر اللحظات توترًا.
وقد جعل هذا الصوت منه شخصية محبوبة، حتى لدى أولئك الذين لا يتابعون الأخبار بانتظام، لكنهم يميّزون صوته فور سماعه.
التأثير في الجمهور والمشهد الإعلامي
لا يقتصر تأثير إقبال الكلبوسي على كونه ناقلًا للأخبار فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى كونه نموذجًا للإعلامي الجاد، الذي يقدّم محتوى يحترم عقل المشاهد. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ صورة إيجابية عن نشرة الأخبار، وعن دور الإعلام العمومي في نقل المعلومة بمهنية ومسؤولية.
كما أصبح اسمه، لدى فئة من التونسيين، مرادفًا للجدية والانضباط، في زمن يشهد فيه الإعلام تحوّلات كبيرة وتحديات متزايدة.
إقبال الكلبوسي والإعلام العمومي: علاقة مسؤولية لا مجرّد وظيفة
يمثّل إقبال الكلبوسي نموذجًا للإعلامي الذي يدرك ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه داخل مؤسسة إعلام عمومية. فتقديم الأخبار على القناة الوطنية الأولى لا يعني فقط قراءة نصوص معدّة سلفًا، بل يقتضي وعيًا بدور الإعلام في تشكيل الرأي العام، وفي نقل المعلومة ضمن سياقها الصحيح دون إخلال أو تشويه. وقد بدا هذا الوعي واضحًا في طريقة تعاطيه مع الأحداث الوطنية الكبرى، حيث يحرص على تقديمها بهدوء، بعيدًا عن الانفعال أو المواقف المعلنة، محافظًا على مسافة مهنية واضحة بينه وبين الخبر.
هذا الإدراك العميق لوظيفة الإعلام العمومي جعله يحظى بصورة الصحفي الجاد، الذي لا يتعامل مع الشاشة كمساحة للظهور الشخصي، بل كمنبر لخدمة المعلومة والمصلحة العامة.
التعامل مع الأخبار الحسّاسة واللحظات المفصلية
مرّت تونس خلال السنوات الأخيرة بمحطات سياسية واجتماعية دقيقة، كان فيها الإعلام تحت مجهر المتابعة والنقد. وفي خضمّ هذه التحوّلات، ظهر إقبال الكلبوسي كأحد الوجوه التي حافظت على اتزانها، سواء في تقديم الأخبار العاجلة أو في قراءة البيانات الرسمية والتقارير المرتبطة بالأحداث الكبرى.
طريقته في التعامل مع الأخبار الحسّاسة تعكس تمرّسًا مهنيًا عاليًا، حيث يلتزم بالصيغة الإخبارية الرصينة، ويتجنّب أي إيحاءات لغوية قد تُفسَّر على أنها انحياز أو توجيه للرأي العام.
وهو ما منح نشراته قدرًا من المصداقية، حتى لدى المشاهدين الذين يتّخذون موقفًا نقديًا من الإعلام بصفة عامة.
بناء الثقة مع المشاهد: رهان الاستمرارية
الثقة في المجال الإعلامي لا تُبنى في يوم أو سنة، بل هي حصيلة تراكم طويل من الالتزام والجدّية. وقد نجح إقبال الكلبوسي في بناء هذه الثقة عبر الاستمرارية في الأداء الجيّد، وعدم السقوط في فخّ الشعبوية أو البحث عن الإثارة.
فالمشاهد التونسي، المعروف بحدّته النقدية، لا يمنح ثقته بسهولة، لكنّه في المقابل يحافظ عليها متى شعر بالصدق والاتزان. وهذا ما يفسّر المكانة الخاصة التي يحتلها الكلبوسي لدى شريحة واسعة من الجمهور، والتي لا ترتبط فقط بالإعجاب، بل بالاطمئنان إلى مصدر الخبر.
صورة الإعلامي بعيدًا عن الأضواء
على عكس كثير من الوجوه الإعلامية التي اختارت الانفتاح الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي، يحرص إقبال الكلبوسي على الظهور في إطار مهني مضبوط، دون إفراط في الحضور خارج الشاشة. هذا الاختيار يعكس قناعة بأن قوة الإعلامي تكمن في أدائه داخل العمل، لا في حضوره الافتراضي أو في الجدل الذي قد يصنعه خارج السياق المهني.
وقد ساهم هذا الأسلوب في ترسيخ صورته كإعلامي تقليدي بالمعنى الإيجابي للكلمة، أي ذلك الذي يمنح الأولوية للمحتوى والمصداقية، على حساب البحث عن الشهرة السريعة.
نموذج يُحتذى به للأجيال الجديدة
يمثّل إقبال الكلبوسي، بالنسبة لكثير من طلبة الصحافة والإعلام، مثالًا للإعلامي الذي نجح في الجمع بين الحضور القوي والهدوء، وبين الشهرة والانضباط. فأسلوبه في الإلقاء، واحترامه لقواعد اللغة، وتحكّمه في تفاصيل الأداء التلفزي، تجعل منه نموذجًا يُدرّس عمليًا أكثر مما يُحتفى به نظريًا.
كما يبرز اسمه ضمن قائمة الإعلاميين الذين أثبتوا أن النجاح في هذا المجال لا يمرّ حتمًا عبر الجدل أو الاستقطاب، بل يمكن تحقيقه عبر العمل المتقن، والالتزام، والتواضع المهني.
استمرارية التأثير في زمن التحوّلات الإعلامية
في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتتنافس فيه المنصّات الرقمية على جذب الانتباه، يظلّ حضور إقبال الكلبوسي شاهدًا على أهمية الإعلام التلفزي التقليدي عندما يُدار بكفاءة. فقد حافظت نشرة الأخبار، بفضل وجوه مثل الكلبوسي، على دورها كمصدر أساسي للمعلومة لدى فئات واسعة من التونسيين، رغم تغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي.
هذا الاستمرار لا يعكس فقط نجاح فرد، بل يعبّر عن قدرة الإعلامي المحترف على التكيّف مع التحوّلات، دون التفريط في جوهر المهنة.
لغة الجسد وحضور الشاشة
إلى جانب صوته المميّز وأسلوبه اللفظي، يتمتّع إقبال الكلبوسي بحضور بصري متوازن على الشاشة. فحركاته محسوبة، وتعابير وجهه منسجمة مع طبيعة الأخبار التي يقدّمها، دون مبالغة أو افتعال. هذا الانسجام بين الصوت والصورة يُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاح مقدّم الأخبار، إذ يمنح المشاهد إحساسًا بالجدية والاحترام، ويعزّز مصداقية الرسالة الإعلامية.
لغة الجسد لدى الكلبوسي لا تطغى على الخبر، بل تخدمه، وتؤكد أن تقديم الأخبار فنّ قائم بذاته، يتطلّب وعيًا بكل التفاصيل الصغيرة التي قد تؤثّر في تلقّي المعلومة.
الانضباط المهني واحترام الوقت
يُلاحظ المتابعون التزام إقبال الكلبوسي الصارم بإيقاع النشرة واحترام الوقت المخصّص لكل فقرة. هذا الانضباط يعكس احترافية عالية، ويشير إلى عمل جماعي منسجم بينه وبين فريق التحرير والإخراج. فمقدّم الأخبار ليس عنصرًا منفصلًا عن المنظومة، بل هو حلقة أساسية فيها، ونجاحه مرتبط بقدرته على الاندماج مع الفريق واحترام قواعد العمل الجماعي.
هذا الجانب يعزّز صورته كصحفي لا يبحث عن البروز الفردي، بل عن نجاح العمل ككل، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة النشرة واستمراريتها.
ثبات الأسلوب رغم تغيّر السياقات
من أبرز ما يُحسب لإقبال الكلبوسي قدرته على الحفاظ على أسلوبه المهني رغم تغيّر السياقات السياسية والإعلامية. ففي فترات الهدوء أو الأزمات، ظلّ أداؤه متّسمًا بالاتزان نفسه، دون أن يتأثّر بتقلّبات المشهد أو ضغوط اللحظة.
هذا الثبات يمنح المشاهد شعورًا بالاستقرار، ويجعل من النشرة الإخبارية نقطة توازن في زمن تتغيّر فيه الخطابات وتتشعّب فيه مصادر المعلومة.
العلاقة غير المباشرة مع الجمهور
لا يقوم تأثير إقبال الكلبوسي على خطاب مباشر للجمهور أو على محاولة استمالته، بل على علاقة غير مباشرة تُبنى عبر الاحترام المتبادل. فالمشاهد يشعر بأن مقدّم الأخبار يقدّر وعيه، ولا يستخفّ بقدرته على الفهم أو التحليل، وهو ما يخلق رابطًا صامتًا لكنه متينًا.
هذه العلاقة الهادئة تفسّر لماذا يحظى الكلبوسي بتقدير حتى من أولئك الذين يختلفون مع الخطّ التحريري العام للقناة، إذ يفصلون بين الأداء المهني للفرد والسياسات العامة للمؤسسة.
في الذاكرة الجماعية للتونسيين
مع مرور الوقت، تحوّل إقبال الكلبوسي إلى جزء من الذاكرة السمعية والبصرية للتونسيين. فصوته ارتبط بأحداث وطنية كبرى، وبأمسيات يومية كان فيها الخبر عنصرًا أساسيًا في حياة الناس. هذا الارتباط لا يُصنع بقرار أو حملة ترويجية، بل يتكوّن تدريجيًا عبر سنوات من الحضور المتواصل والعمل الجاد.
وهنا تكمن قيمة الإعلامي الحقيقي: أن يصبح شاهدًا على الزمن، وناقلًا أمينًا لتفاصيله، دون أن يطغى اسمه على الحدث نفسه.
الإعلام الرصين في مواجهة الاستهلاك السريع
في عصر الأخبار العاجلة ومقاطع الفيديو القصيرة، يقدّم إقبال الكلبوسي مثالًا على الإعلام الرصين الذي يرفض السقوط في منطق السرعة على حساب الدقة.
فالنشرة التي يقدّمها تظلّ مساحة للتثبّت، ولعرض الخبر في صيغته المكتملة، بعيدًا عن الاختزال المخلّ أو العناوين الصادمة.
هذا الخيار المهني يُعدّ موقفًا في حدّ ذاته، يؤكد أن الإعلام الجاد ما يزال قادرًا على الصمود، إذا توفّر له الإعلاميون القادرون على حمل رسالته.
قيمة الاستمرارية في مسيرة إعلامية
إن الحديث عن إقبال الكلبوسي هو في جوهره حديث عن قيمة الاستمرارية في العمل الإعلامي.
فالبقاء في الواجهة لسنوات، مع الحفاظ على المستوى نفسه من الأداء، يتطلّب جهدًا مضاعفًا، وتطويرًا دائمًا للذات، ومراجعة مستمرة للأدوات والأساليب.
وقد أثبت الكلبوسي أن النجاح الحقيقي ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل تُبنى فيه الثقة يومًا بعد يوم.
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتتداخل فيه المعلومة بالرأي، وتكثر فيه الأصوات الباحثة عن الظهور أكثر من البحث عن الدقّة، يبرز إقبال الكلبوسي كأحد النماذج القليلة التي حافظت على جوهر المهنة الصحفية. فحضوره المتواصل على شاشة التلفزة لم يكن مجرّد اعتياد بصري، بل تعبيرًا عن مسار مهني قائم على الالتزام، والرصانة، واحترام عقل المشاهد.
لقد أثبت إقبال الكلبوسي أن مقدّم الأخبار ليس مجرد قارئ لنصوص، بل هو حلقة محورية في عملية إعلامية معقّدة، تتطلّب وعيًا بالسياق، وقدرة على التحكم في الخطاب، وإدراكًا لمسؤولية الكلمة المنطوقة. فمن خلال أدائه الهادئ، وصوته المتزن، ولغته الدقيقة، ساهم في ترسيخ صورة الإعلامي الذي يضع الخبر في مكانه الطبيعي، دون تضخيم أو تسطيح.
كما أن نجاحه في الحفاظ على ثقة الجمهور، رغم التحوّلات السياسية والإعلامية العميقة التي عرفتها البلاد، يعكس قيمة الاستمرارية والانضباط في العمل الصحفي.
فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى عبر سنوات من الأداء المتوازن، والاختيارات المهنية الواضحة، والابتعاد عن الاستقطاب والجدل المجاني.
وفي سياق إعلامي يشهد تحوّلًا جذريًا بفعل المنصّات الرقمية وسرعة التداول، يقدّم إقبال الكلبوسي مثالًا على إمكانية التوفيق بين الحداثة والرصانة، وبين مواكبة اللحظة والحفاظ على أخلاقيات المهنة. وهو بذلك لا يمثّل فقط صوتًا إخباريًا مألوفًا، بل قيمة مهنية تذكّر بدور الإعلام في خدمة الحقيقة، لا في صناعة الانطباعات.
ختامًا، يمكن القول إن تجربة إقبال الكلبوسي تُجسّد معنى أن يكون الإعلامي شاهدًا مسؤولًا على زمنه، لا بطلاً يتقدّم على الحدث، ولا ظلًا يختفي خلفه، بل ناقلًا أمينًا له.
وهي تجربة تؤكد أن الإعلام الجاد ما يزال ممكنًا، وأن المصداقية، مهما تغيّرت الوسائط، تبقى العملة الأهم في علاقة الإعلام بالجمهور.
