حنبعل المجبري : اللاعب الذي أحبّه الشعب وأحدث الصدمة بعد كان 2025



في عالم كرة القدم، حيث تتداخل الموهبة مع الطموح، ويصبح الاحتراف اختبارًا يوميًا للصبر والإصرار، يبرز اسم حنبعل المجبري كأحد أبرز اللاعبين التونسيين الشباب الذين استطاعوا أن يجمعوا بين الاحترافية الأوروبية والانتماء الوطني العميق. منذ بداياته في ضواحي باريس، حيث وُلد وترعرع في أسرة تونسية، أظهر المجبري موهبة فطرية في التحكم بالكرة، ورؤية لعب متقدمة على عمره، مما جعله محط أنظار كبار الأندية الأوروبية منذ صغره.
تجربة حنبعل المجبري هي أكثر من مجرد مسيرة رياضية؛ فهي قصة شاب تجاوز التحديات والقيود الاجتماعية والاحترافية، ليصبح عنصرًا لا غنى عنه في وسط الميدان، سواء على مستوى الأندية الأوروبية التي مثّلها أو المنتخب الوطني التونسي. المهارة الفنية وحدها لم تكفِ لجعل المجبري محط اهتمام الجماهير؛ بل أضاف إليها شخصيته القوية، وتصميمه على النجاح، وقدرته على مواجهة الضغوط الكبيرة في الملاعب الأوروبية، حتى أصبح مثالًا حيًّا على أن الموهبة تحتاج دائمًا إلى الانضباط والعمل الجاد لتتحوّل إلى قيمة فعلية.
وبينما يثير أداؤه إعجاب المشجعين، أصبح أيضًا موضوع نقاش بين النقاد بسبب تصريحاته الجريئة بعد بعض المباريات، خاصة في البطولات الكبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2025، حيث عبّر عن رؤيته الصريحة تجاه واقع الكرة التونسية، وهو ما جعله شخصية مثيرة للاهتمام ليس فقط في الملعب، بل أيضًا خارج المستطيل الأخضر.


على الصعيد الدولي: اختيار تونس والتألق


ربما كانت واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرة المجبري هي قراره في مايو 2021 بالتمثيل الدولي لمنتخب تونس، رغم أنه مثّل فرنسا في فئتي الشباب (U16 وU17)، حيث قدم مستويات رائعة هناك. اختياره اللعب لتونس كان خيارًا قلبيًا ووطنيًا، مرتبطًا بجذوره العائلية وثقافته، ولم يكن مجرد اختيار افتراضي بل تعبيرًا عن انتماء عميق لوطن والدَيه. 
شارك حنبعل لأول مرة مع المنتخب التونسي في يونيو 2021 في مباراة ضد الكونغو الديمقراطية، وكان التأثير واضحًا منذ البداية، سواء من خلال تمريراته أو حضوره داخل الملعب.
 كما شارك في كأس العرب 2021 في قطر وترك بصمة قوية، إذ حصل على جائزة أفضل لاعب في بعض المباريات وأثبت أنه عنصر مهم في وسط ملعب “نسور قرطاج”. 
وفي كأس العالم 2022 بقطر شارك أيضًا مع تونس، محققًا حلم اللعب في أكبر بطولة على مستوى المنتخبات، وكانت مشاركته، وإن جاءت في دقائق محدودة، نقطة فخر له ولجمهوره في تونس والعالم العربي. 
ومن أبرز لحظاته أيضًا تسجيله أول هدف دولي لمنتخب تونس في أكتوبر 2025 خلال تصفيات كأس العالم، وهو ما يؤكد أنه لا يقدم فقط أداءً تكتيكيًا، بل قادرٌ أيضًا على التأثير المباشر في النتائج. 


شخصية قيادية ونظرة نقدية لمستقبل الكرة التونسية


إلى جانب قدراته الفنية، يتمتع حنبعل المجبري بشخصية قيادية ورؤية نقدية تجاه وضع كرة القدم في بلده. 
فقد اعتبر في تصريحات حديثة أن الكرة التونسية تحتاج إلى إعادة بناء وتطوير هياكلها، وأن التأخّر في بعض الجوانب الفنية يستدعي وقفة جادة للعمل على تحسين الأداء على مستوى الأندية والمنتخبات. 
هذه الجرأة في التعبير عن رأيه تظهر لاعبًا لا يكتفي بالمشاركة فقط، بل يسعى إلى أن يكون عامل تغيير وتأثير إيجابي في منظومة الكرة التونسية، وهو أمر لا يقاس فقط بعدد المباريات أو الأهداف، بل برؤية أكبر تجاه مستقبل اللعبة في بلده.


أسلوب اللعب وقيمة فنية مضافة


حنبعل يُعرف كلاعب وسط ميداني متكامل، يتمتع بقدرة على الربط بين الدفاع والهجوم، والتوزيع الدقيق للكرة، والتحكم في إيقاع اللعب، وهو ما يجعله حجر الزاوية في خط الوسط سواء مع ناديه أو مع المنتخب. كما يمكنه اللعب في أكثر من مركز وسط، مما يمنحه ميزة تكتيكية ويزيد من قيمته لدى المدربين.



تأثيره في الجماهير ونظرة المتابعين


لم يقتصر تأثير المجبري على الملعب فقط، بل تجاوزه إلى قلوب الجماهير التونسية والعربية، التي ترى فيه رمزًا للشاب الطموح الذي اختار وطنه وأثبت قيمته في المحافل الكبرى، وهو ما ينعكس في التقدير الكبير الذي يحظى به من المتابعين والنقاد على حد سواء في العالم العربي وأوروبا.


الموهبة الكروية: رؤية استثنائية في وسط الميدان


حنبعل المجبري لم يصل إلى المكانة التي يحتلّها اليوم بالصدفة أو بالاسم فقط، بل هو لاعب يمتلك موهبة كروية واضحة تُميّزه منذ ظهوره الأول على الساحة الأوروبية. 
يمتلك قدرة فائقة على قراءة اللعب، والاحتفاظ بالكرة تحت ضغط المنافسين، وتمرير الكرة بدقة إلى المساحات المهاجمة، ما يجعله عنصرًا جوهريًا في تحول الهجوم.
 مهارته في الربط بين الدفاع والهجوم تُظهر لاعبًا يسعى دائمًا للتحكم في إيقاع المباراة وليس فقط تنفيذ التوجيهات التكتيكية.
هذا النوع من الموهبة لم يُدرّب فقط بل وُلِد معها؛ فالمجبري يظهر على أرض الملعب بثقة كبيرة في قراراته وتمريراته، وينجح في خلق فرص للاعبين أمامه، ما يعكس نضجًا فنيًا يتجاوز عمره الحقيقي. المميز أيضًا في أدائه هو كيفية قراءة اللحظة وتوقّع تحركات المنافس، مما يمنحه أحيانًا الأفضلية في قطع الكرة أو تفسير الخطورة قبل أن تتبلور.
 أبرز مظاهر موهبته أن المجبري لا يقدّم كرة “تقليدية” فقط، بل يقرأ مجريات المباراة مثل لاعب محترف له خبرة طويلة، ويتنقّل داخل الملعب بطريقة تربط الدفاع بالهجوم بحرفية عالية؛ وهذا ما يجعله عنصرًا لا يمكن تجاهله في أي تشكيلة يبدأ بها.
 وحتى عندما لا يسجّل أو يصنع أهدافًا، فإن حضوره وحده يغيّر تركيبة وسط فريقه ويمنحه حركة وفعالية أعلى.
وهذا النوع من اللاعبين لا يُصنع بسهولة، فهو يحتاج إلى وعي تكتيكي عالي، واستقلالية في اتخاذ القرار، وقدرة على التعديل السريع للمراكز داخل الملعب، وهو ما يراه محللون كعلامة على أن المجبري قد يكون أحد أهم لاعبي وسط الميدان في الجيل الحالي للكرة التونسية.

محبة التونسيين له : أكثر من لاعب.. رمز للأمل

حب الجماهير التونسية لحنبعل المجبري ليس مجرد ارتباط مؤقت بسبب الأداء في بعض المباريات، بل هو علاقة تتجاوز المستوى الفني إلى صلة نفسية وروحية بين اللاعب والمشجع.
 يرى كثير من التونسيين في المجبري نموذجًا للشاب الطموح الذي يمتلك القدرة على التحدّي والثبات حتى في اللحظات الصعبة، ما جعل الكثيرين يرونه ممثلاً لحلم الجماهير في رؤية لاعب تونسي يتألق في أكبر الملاعب الأوروبية. 
في حين أن بعض الجماهير قد تنقد أو تُقابل إخفاقات المنتخب بحدة، تجده في المقابل مرتبطًا بمحبة عامة لأنه يعكس قيم الانضباط، المثابرة، والإصرار، وهي قيم كثيرة لدى الجمهور التونسي نفسه. 
لا شك أن حضور المجبري في المنتخب ومنتخب الشباب وفي أندية كبرى جعل التونسيين يشعرون بأن لديهم لاعبًا “يمثّلهم” في أصعب وأكبر البطولات، وأنه في كل كرة يمرّرها أو يتصدّى لها، هناك أمل وتصميم على النجاح. 
هذا الارتباط العاطفي بين اللاعب والشعب يبرز في المناقشات على مواقع التواصل، حيث يرى البعض أنه ليس مجرد لاعب في المنتخب، بل رمزًا للشغف والطموح، وقدرة الشباب التونسي على مواجهة التحديات رغم اختلاف الظروف. 

في كأس أمم أفريقيا 2025 : الأداء والجدل

تجربة حنبعل المجبري في كأس أمم أفريقيا 2025 كانت واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرته حتى الآن، ليس فقط بسبب الأداء الفني، بل بسبب ما رافقها من أحداث وتصريحات أثارت جدلًا واسعًا.
في مرحلة خروج منتخب تونس من دور الـ16 أمام مالي، انتهت المباراة بالتعادل 1‑1 قبل أن تُحسم بركلات الترجيح لصالح المالي بنتيجة 3‑2، في مباراة حاسمة شهدت الكثير من اللّحظات المشحونة.  المجبري كان لاعبًا مؤثرًا في وسط الميدان طوال اللقاء، واجهت تونس خلالها تحديات بدنية وتعاملت مع ضغط المنافس، لكنه ظلّ حاضرًا بقوة حتى تم استبداله نتيجة إصابة معاناته من الألم.
ما زاد من وقع مشاركته في البطولة كانت تصريحاته بعد المباراة التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الساحة الرياضية التونسية وخارجها. 
حيث عبّر بحزم عن خيبة أمله، وقال بصراحة أن الكرة التونسية “متأخرة بحوالي عشر سنوات” مقارنة بالدول الأخرى، داعيًا إلى إعادة النظر بشكل جذري في بنية كرة القدم في تونس وتطويرها من الأساس. 
هذه التصريحات كانت صادمة للبعض، لأنها خرجت بصوت لاعب شاب في حياتِه المهنية، متحدّثًا بوضوح عن القصور البنيوي والفني في كرة القدم التونسية، وهو رأي قوي يتطلب وقفة تحليل ومراجعة، ولهذا أثار ردود فعل متفاوتة بين الجماهير والنقاد. 
على الرغم من ذلك، في عمق حديثه كان يعبّر أيضًا عن حزن وإحساس بالمسؤولية تجاه مستقبل اللعبة، مؤكدًا أن خروج الفريق ليس نهاية القصة، بل فرصة لإعادة البناء والتعلّم من الأخطاء، وهو موقف غير معتاد في تصريحات كثيرة من لاعبين بعد الخسارة، ما يعكس نضوجًا في وعيه الرياضي والاجتماعي.


ما وراء التصريحات: رؤية إصلاحية وطموح جريء


ما يميز تصريحات المجبري ليس فقط صراحتها، بل عمق رؤيته ووضعه لمسألة تطوير الكرة التونسية.
 فقد لم يكتفِ بالإشارة إلى القصور، بل طالب بـ إعادة تقييم لكل المستويات من البنية التحتية إلى التدريب والكوادر الفنية، وهو موقف نادر يتبنّاه لاعب شاب في بداية مسيرته الدولية.
كما أظهر استعدادًا لتحمّل مسؤولية أكبر داخل الفريق وخارجه، مؤكدًا أن العمل الجاد لا يخشى النقد وأن التعلم المستمر هو الطريق الحقيقي للتقدّم. 
هذه النظرة لم تأت من فراغ، بل هي نتاج محاولة فهم عميق للعبة وسعي نحو تغيير بنيوي طويل الأمد.


تعليقات