في ركن بعيد من الجنوب التونسي، حيث تمتد صحارى تطاوين وتتمازج ثقافات الأمل والتحدّي، تتبلور قصة طموح رقمي قد تُعيد تشكيل مستقبل المنطقة في زمن الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي. ليس هذا مجرد حديث عن استثمار عابر أو مشروع عادي، بل هو فصل جديد في تاريخ الإبداع التونسي، تقوده شخصية شبابية تونسية أثارت اهتمام الإعلام والمجتمع التقني: كريم بقير، الرئيس التنفيذي لشركة InstaDeep المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي.
من عالم التكنولوجيا إلى قلب الجنوب : لماذا تطاوين؟
لطالما ارتبطت تطاوين، مثل كثير من الجهات الداخلية في تونس، بالتحديات الاقتصادية والهجرة وفرص العمل المحدودة. لكن الإعلان الأخير لكريم بقير عن مشاريع استثمارية كبرى في الذكاء الاصطناعي والرقمنة، تبلغ قيمتها المالية عدة مليارات من المليمات، يُمثّل إشارة قوية إلى أن مكانًا يبدو بعيدًا عن مراكز القرار التقليدية، يمكن أن يصبح نقطة تحول في خارطة الثورة الرقمية في تونس.
ثمّة في هذا التوجّه أكثر من دلالة بسيطة :
المكان لا يحدّد المستقبل – فالتكنولوجيا والمستقبل يمكن أن تنطلق من قلب الصحراء.
الطاقات المحلية يمكن أن تُحرَّك وتُؤهّل – عبر إعطاء الفرص للكفاءات من أبناء المنطقة.
التكامل بين السياسات العمومية والاستثمار الخاص يحدث فرقًا حقيقيًا.
فهناك، في جلسة عمل نظمها والي تطاوين أمير القابسي، تحدّثت السلطة الجهوية عن دعم كامل وإزالة العقبات أمام مثل هذه المبادرات، في تعبير عن شراكة جديدة بين القطاعين العام والخاص
من هو كريم بقير؟ ولماذا يهمنا حديثه عن الذكاء الاصطناعي؟
كريم بقير ليس اسمًا عاديًا في المشهد التونسي والعالمي.
فهو أحد مؤسسي شركة InstaDeep – التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي المتقدم وتطوير حلول تقنية تستفيد منها الشركات الكبرى والناشئة على حدٍّ سواء. وقد سبق للشركة أن خطت خطوات مهمة في السوق العالمية، من خلال شراكات وتقنيات مثيرة أثارت اهتمام المستثمرين والخبراء.
ما يجعل حديث بقير عن مشاريع في تطاوين يستحق التأمل هو الرؤية الاستراتيجية التي تبدو وراء الإعلان :
دمج التكنولوجيا المتقدمة في تنمية المناطق الداخلية.
خلق بيئة تكنولوجية مستدامة وليس مشاريع مؤقتة.
تدريب وتأهيل شباب على مهارات تتماشى مع متطلبات سوق العمل المعاصر.
هذه الرؤية ليست عابرة، بل تُؤكّدها خطوات سابقة، مثل مبادرة تدريب 10 آلاف شاب تونسي في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية – وهي خطوة مفصلية في بناء مجتمع معرفي قوي.
تطاوين بوابة إلى اقتصاد المستقبل؟
قد يبدو للبعض أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي مُجرّد رفاهية في ولاية بعيدة تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية، لكن ما يحدث في تطاوين يعكس تحوّلًا في التفكير الاقتصادي والتنموي.
فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي ليس فقط لأجل التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل لأنه أداة قوية لإنشاء فرص عمل، تحفيز المشاريع الريادية، وجذب المواهب المحلية والعالمية.
هذا ليس مجرد “تجربة تنموية”، بل خارطة طريق وطنية يمكن أن تُقتدى بها جهات أخرى في تونس، خاصة إذا كانت هناك إرادة حقيقية من السلطة لتقليص الفوارق الجهوية وتشجيع الاقتصاد المعرفي.
ما الذي يعنيه هذا للمجتمع التونسي؟
لشباب تطاوين: فرصة لتعلّم مهارات المستقبل، والعمل في مشاريع عالمية دون الاضطرار إلى الهجرة.
للقطاع الرقمي في تونس: إشارة إلى أن تونس ليست فقط سوقًا تقليدية، بل بلد يقدر رأس المال البشري والابتكار.
للسوق التشغيلية: قد تنمو قطاعات وظيفية جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، تطوير البرمجيات وغيرها.
على المستوى الثقافي: تغيير في النظرة إلى الوظائف والمهارات المطلوبة في القرن الـ21.
تحديات في الأفق
رغم التفاؤل، هنا بعض الأسئلة التي يجب أن تُطرح:
ما هي الخطط العملية لتأهيل الكفاءات المحلية؟
كيف سيتم ضمان نفاذ الشباب لهذه الفرص وإلى أي حد ستكون المشاركة حقيقية؟
هل ستؤمّن المشاريع استدامة اقتصادية واجتماعية، أم ستكون أدوات إعلامية فقط؟
هذه الأسئلة يمكن أن تكون محور نقاش أوسع بين المجتمع المدني، المستثمرين، والسلطة لضمان أن تكون هذه المبادرات أكثر من مجرد وعود.
الذكاء الاصطناعي خارج المركز : كسر القاعدة لا تكرارها
ما يميّز مشاريع كريم بقير في تطاوين ليس فقط حجم الاستثمارات أو طبيعة التكنولوجيا المستعملة، بل كسر منطق “المركز والهامش” الذي لازم السياسات التنموية في تونس لعقود.
فالذكاء الاصطناعي، بوصفه أحد أكثر المجالات حداثة وتعقيدًا، عادةً ما يُربط بالعواصم، بالمناطق الساحلية، وبالمدن التي تتوفّر فيها الجامعات الكبرى والبنية التحتية المتقدمة. لكن نقل هذا المجال إلى تطاوين يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يمكن للتكنولوجيا أن تُعيد توزيع السلطة الاقتصادية والمعرفية داخل الدولة؟
في هذا السياق، لا يبدو اختيار تطاوين اعتباطيًا أو رمزيًا فقط، بل هو رهان على نموذج تنموي مغاير: تحويل الجهات التي عانت من التهميش إلى مختبرات للمستقبل، بدل أن تظل مجرد فضاءات انتظار أو عبور.
الاستثمار في العقول قبل الحجر
على عكس المشاريع الكلاسيكية التي تُقاس بنوعية المباني أو حجم المصانع، فإن مشاريع الذكاء الاصطناعي تقاس أساسًا بما تُنتجه من معرفة وكفاءات. وهنا تبرز أهمية البعد البشري في مبادرة كريم بقير. فالمليارات المعلنة لا تعني فقط تجهيزات أو منصات رقمية، بل تعني — قبل كل شيء — استثمارًا في العقول المحلية.
تطاوين، مثل بقية ولايات الجنوب، تزخر بشباب متعلّم، طموح، لكنه غالبًا ما يصطدم بجدار البطالة أو يضطر إلى الهجرة. إدخال مشاريع الذكاء الاصطناعي إلى هذه البيئة قد يُحدث تحولًا جذريًا:
من شباب يبحث عن وظيفة إلى شباب يُنتج حلولًا.
من مستهلك للتكنولوجيا إلى مساهم في تطويرها.
من هامش رقمي إلى فاعل في الاقتصاد العالمي.
بين السيادة الرقمية والتنمية المحلية
لا يمكن فصل مشاريع الذكاء الاصطناعي عن مسألة السيادة الرقمية، خاصة في دول مثل تونس التي تسعى إلى تعزيز استقلالها التكنولوجي. فامتلاك الخبرة المحلية في هذا المجال لا يعني فقط خلق مواطن شغل، بل يعني أيضًا تقليص التبعية للخارج في مجالات حساسة كتحليل البيانات، الأمن السيبراني، والخوارزميات الذكية.
في هذا الإطار، تكتسب مبادرات كريم بقير بعدًا وطنيًا يتجاوز البعد الجهوي. فهي تفتح النقاش حول دور الكفاءات التونسية بالخارج في إعادة بناء الداخل، وحول إمكانية خلق منظومة ذكاء اصطناعي تونسية تنطلق من الجهات، لا من النخب المغلقة.
تطاوين: من ذاكرة الإقصاء إلى أفق الابتكار
تحمل تطاوين في الذاكرة الجماعية صورة الجهة المنسية، المثقلة بالوعود المؤجلة والاحتجاجات الاجتماعية. لذلك، فإن إدخال مشاريع مستقبلية بهذا الحجم يضع الجهة أمام مفترق طرق:
إما أن تتحول إلى نموذج نجاح يُحتذى به، أو أن تُضاف هذه المشاريع إلى قائمة الآمال غير المكتملة.
الفرق هذه المرة أن المشروع لا يقوم على الموارد الطبيعية أو الصناعات التقليدية، بل على اقتصاد المعرفة، وهو اقتصاد لا ينضب، ولا يُستنزف، بل ينمو كلما استُثمر فيه أكثر.
الذكاء الاصطناعي كأداة للعدالة الجهوية
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالتكنولوجيا، بل بسؤال العدالة:
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لتقليص الفجوة بين الجهات؟
وهل تستطيع تونس أن تنتقل من منطق “التنمية بالتعويض” إلى “التنمية بالتمكين”؟
إذا نجحت هذه المشاريع في خلق منظومة تدريب، تشغيل، وبحث علمي محلية، فإن تطاوين قد تصبح رمزًا لتحول وطني شامل، لا مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار.
رهان محفوف بالتحديات… لكنه ضروري
رغم كل هذا الأفق الواعد، لا يمكن تجاهل التحديات:
ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق.
الحاجة إلى إصلاح المنظومة التعليمية لتواكب متطلبات الذكاء الاصطناعي.
ضرورة ضمان شفافية التنفيذ وربط الوعود بالنتائج.
غير أن التاريخ يُثبت أن كل تحوّل كبير يبدأ برهان جريء، وأن الخطر الحقيقي ليس في الفشل، بل في البقاء داخل النماذج القديمة.
إن مشاريع كريم بقير في تطاوين ليست مجرد استثمار مالي بقيمة مليارات، بل هي استثمار في فكرة:
فكرة أن المستقبل لا يُصنع فقط في العواصم،
وأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جسرًا بين التهميش والتمكين،
وبين الماضي المثقل بالخذلان، والمستقبل المفتوح على الإمكان.
إذا كُتب لهذه التجربة أن تنجح، فلن تُغيّر وجه تطاوين فقط، بل قد تُغيّر طريقة تفكير تونس بأكملها في التنمية، التكنولوجيا، ودور الإنسان في صناعة الغد.
وبينما لا يزال الطريق طويلاً أمام تحقيق الأهداف الكبيرة، يبقى ما يحدث اليوم في تطاوين رسالة أمل: أن المستقبل التكنولوجي يمكن أن يبدأ من القاعدة، وأن الذكاء الاصطناعي ليس امتيازًا للمراكز الكبرى فحسب، بل يمكن أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة.
